أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

471

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والاستنكاف : استفعال من النّكف ، والنّكف : أن يقال له سوء ، ومنه : « ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف » . قال أبو العباس : « واستفعل هنا بمعنى دفع النّكف عنه » ، وقال غيره : « هو الأنفة والترفع » ومنه : « نكفت الدّمع بإصبعي » إذا منعته من الجري على خدّك ، قال : 1689 - فبانوا فلو لا ما تذكّر منهم * من الحلف لم ينكف لعينيك مدمع « 1 » قوله : فَسَيَحْشُرُهُمْ الفاء يجوز أن تكون جوابا للشرط في قوله : « وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ » . فإن قيل : جواب « إن » الشرطية وأخواتها غير « إذا » لا بد أن يكون محتملا للوقوع وعدمه ، وحشرهم إليه جميعا لا بد منه ، فكيف وقع جوابا لها ؟ فقيل في جوابه وجهان : أحدهما : - وهو الأصح - أن هذا كلام تضمّن الوعد والوعيد ، لأنّ حشرهم يقتضي جزاءهم بالثواب أو العقاب ، ويدلّ عليه التفصيل الذي بعده في قوله : « فَأَمَّا الَّذِينَ » إلى آخره ، فيكون التقدير : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيعذبه عند حشره إليه ، ومن لم يستنكف ولم يستكبر فيثيبه . والثاني : أنّ الجواب محذوف أي : فيجازيه ، ثم أخبر بقوله : « فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً » ، وليس بالبيّن . وهذا الموضوع محتمل أن يكون ممّا حمل على لفظة « من » تارة في قوله : « يَسْتَنْكِفَ » و « يَسْتَكْبِرْ » فلذلك أفرد الضمير ، وعلى معناها أخرى في قوله : « فَسَيَحْشُرُهُمْ » ولذلك جمعه ، ويحتمل أنه أعاد الضمير في « فَسَيَحْشُرُهُمْ » على « من » وغيرها ، فيندرج المستنكف في ذلك ، ويكون الرابط لهذه الجملة باسم الشرط العموم المشار إليه . وقيل : بل حذف معطوفا لفهم المعنى ، والتقدير : فسيحشرهم أي : المستنكفين وغيرهم ، كقوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 2 » أي : والبرد . و « جَمِيعاً » حال أو تأكيد عند من جعلها ك « كل » وهو الصحيح . وقرأ الحسن : « فسنحشرهم » بنون العظمة ، وتخفيف باء « فَيُعَذِّبُهُمْ » . وقرىء : « فسيحشرهم » بكسر الشين وهي لغة في مضارع « حشر » . وقوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ : قد تقدّم الكلام على نظيرتها . ولكن هنا سؤال حسن قاله الزمخشري وهو : « فإن قلت : التفصيل غير مطابق للمفصّل ، لأنه اشتمل على الفريقين ، والمفصّل على فريق واحد . قلت : هو مثل قولك : « جمع الإمام الخوارج : فمن لم يخرج عليه كساه حلّة ومن خرج عليه نكّل به » وصحة ذلك لوجهين ، أحدهما : أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه ، ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا : « فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ » . والثاني : وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمّهم فكان داخلا في جملة التنكيل بهم ، فكأنه قيل : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذبهم إذا رأوا أجور العاملين وبما يصيبهم من عذاب اللّه » انتهى . يعني بالتفصيل قوله : « فَأَمَّا » و « أَمَّا » ، وقد اشتمل على فريقين أي : المثابين والمعاقبين ، وبالمفصّل قوله قبل ذلك : « وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ » ، ولم يشتمل إلّا على فريق واحد هم المعاقبون . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 174 إلى 176 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 176 )

--> ( 1 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 394 ) ، اللسان ( تكف ) . ( 2 ) سورة النحل ، الآية ( 81 ) .